وداعاً قهوتي

في اليوم العاشر بعد ال “هو”
تضيق بي قهوة الرصيف
وينحسر ظلنا السائل تحت طاولة جديدة.

كوب شاي ساخن،
قطعة من الحلوى
احاديث سريعة النسيان
وبسمة عطرة تحت الليل،
هذا كل ما نحتاجه ربما.

تشبهنا طاولات المقاهي في “الحمراء”
تبدل وجوهها بسرعة بعد الرحيل
تسكر من العيون الجميلة
تنصت إلى الريح
بسخرية قطط الشوارع،
تأكل فضلات الشهية
ولا تنام مع المطر.

يقال:
اذا فقدنا طرفاً من أطرافنا
نظل نشعر به
كأنه لم يزل…
هل لمقاهي العشاق
الذاكرة نفسها بعد انقطاع؟

نغادر مقاعدنا بتردد
دائماً على ما أذكر
او على ما أعتقد
نخاف ان ننسى مفاتيحنا
أقلامنا
خربشات قصيدة ساذجة
قلباً جافاً
نظرات خفيفة كالقبلة الثانية
يداً شاردة
لذة قهوة فرنسية الاسم لا أكثر
كلام حب لم نقله… تكبراً.

يجلس رجل آخر على مقعدي،
يشرب قهوتي البيضاء
يشم رائحتها باسماً
يقبلها على خدها
يبحث عن قلمي تحت المقعد
يرميه في زقاق قريب
لقد رآني اوقعه خوفاً من قصيدة
لن اكتبها
… تكبراً أيضاً.

ابحث عن مغسلة و مرآة
ملامحي الصفراء تثير الحكاك
اغسلها بعصبية
لا تتغير
لا تحترق
لا تعود حمراء
أكسر المرآة بيدي اليمنى
أراني قطعاً صغيرة
أتوهم انني آخر
جزء من شفتي العليا يبتسم
جزء من شفتي الدنيا صامت
دم قليل على جبيني المتجعد
كنهر فضي
أمسحه بيدي اليسرى
لا دماء.

اعرف في تلك اللحظة انه
اذا حطمنا جميع المرايا
لن نمحو تفاصيلنا الحقيقية
سنظل نشبه ما رأيناه
سنظل نحن، ما كسرناه.

لا يشبهني “هو”
كثير من الناس لا تشبهني
جميعهم لا يشبهونني
حتى أنا
جالساً هنا في البعيد
لا أشبه نفسي.

اتركهم وأرحل
كعادة الضجيج في المساء،
لا انظر خلفي
فقد اكتسبت صفة اللامكترث
افقد قصائدي الأجمل
مثلما افقد ذاكرتي الطفولية
في النهار.

أما في الليل، اجلس وحيداً
بجانب نعاسي الازلي
اخبره قصصاً وخرافات
يختنق أبطالها
واختنق معهم
ما ان أشعل الأحلام
في رأسي المضطرب.

إنفصام

طقوسٌ مسرحيةٌ في رأسي،
هو / وهو الآخر
أنا / وأنا الآخر.
شخصياتٌ وهميةٌ
تستمد الجنون
من العقد المتراكمة
في قصصي القديمة.

انا أصارع هو الآخر،
وأنا الآخر أهادن الـ(هو).
تتقاطع خصائلنا من دون أن تتصل،
تتفجر تشابهاتنا وجهاً لوجه،
حممٌ من الغضب غير المبرر
تمحو تفاصيل الـ(أنا)
تسلخ صوت الـ(هو) عن لسانه
وتعصر ليل الآخر
أرقاً سائلاً في الفراش.

هو،
أنا الآخر،
ام انا هو الآخر،
او اللا أحد الذي يحتل البقع المظلمة في أحشاء الغرفة.

عندما لا نستيقظ
ذات حياة،
لا نميز اختلافات الوجوه التي تسكننا
في الكوابيس الأليفة
داخل الجمجمة المهشمة من النعاس السرابي.

المعادلة بسيطة،
بعض أحلامنا يتقاطع عامودياً مع كوابيسنا
فتصبح ليالينا متوازية
لكل المحاولات الفاشلة للنوم.

عندها،
يتعارض الـ(هو)
الذي يدفع القمر إلى الهاوية
ليوقظ الـ(أنا)
المستلذ برغبة الشمس بالاشتعال
خارج الجفون الراقدة بسخرية،
فوق النار.

الشخصيات المنفصمة
تفتك بجسدي من الداخل،
تترابط كالجذور المدفونة عميقاً
قرب الجحيم،
تتباعد كالأفكار الساقطة خلفنا
ونحن نكبر.
لا شيء يجمعنا غير الحاجة للصمت
ولو قليلاً،
لا شيء يوجعنا غير التخبط المستمر
في رأسي المظلم.

انا لم احب يوماً،
من لم يجلس معنا جميعاً،
منفصلين
منفصمين

قصائد في العطر – ١

حبيبتي امرأة لا تقرأ خطوط كفي،
رائحتها مُسكِرة
كروح النبيذ المعتق.

اشمها خلف أذنها
وألعق العطر المخدّر
على رقبتها الترابية،
فأنهار قبلاً على جسدها
المخمليّ الرطب.

اطارد منابع العطر
في مساماتها العسلية،
اراه يغازل أطرافها
ويسيل بين نهديها
كحبوب الندى
على شرايين الورق الأخضر.

يفور، رحيقاً ممزوجاً
بعرقها المتنهد لذة تحت أصابعي
قبل أن يلتف برقبتي
شالاً يعصر عشقي الازلي
لرائحتها المجردة
ولشفتيها المشرئبتين شهوة
وهي تنهش كتفي الأيمن.

العطر

عيناها كرتا نار
تشعلان براكيني الخفية
وشهوتي الأبدية للخوف.

شفتاها الملتهبتان غضباً،
وعشقاً،
وعطشاً
كغروب يُطِبق على جسد البحر،
تضمحلان كظل
بعيدٍ عن وجهي المتعب،
عن فمي العاق،
عن يدي التائهة في رقبتها العسلية
اللون والملمس.

عطرها
يأخذني إلى أبعاد ربيع خرافي،
يصعقني بالزبيب المخمّر،
يلف حول أصابعي أغصان الدراق والخوخ والتوت البري،
ينساب كخفة الياسمين المقطوف من اكتاف مدينة سحرية.

عطرها
قسوة الخشب السائل،
يعبث بلذة الفانيلا
وبغرور السرو المكبوت في قارورة
وفي انحناءات جسدها المقولب
كقصيدة عربية موزونة التقاسيم،
ثائرة الخطوط والقافية.

بشرتها الملونة بالشمس
تضيف رشّة سوريالية المذاق،
تعيد خلط سكر الفاكهة بصمغ الأشجار
بالرغبة المدفونة في خبايا المسامات،
قبل ان تدور كإعصار راقص
مبعثِرة أحاسيسي البدائية
وقدرتي على شمِّ أشياء فاترة
وأجساد كاذبة الملمس.

كصباح رطب، تنتفض،
تلملم فتات عطرها،
تعيده تحت الفستان المتهدل.

اخبئ ما أمكن
في ذاكرتي الرمادية.

لا تنظر الي
تحرقني، بعود من عتب،
ثم ترحل تاركة خلفها
أثر غير مرئي،
من فوضى العطر المحموم.

في وداع الفراشات

في وداع الفراشات
تختنق النار بشهوة الموت،
تحمرّ
كحلمة حاربت يداً خرقاء
وأسنان جائعة
ليالٍ طوال.

في الوداع، لا نلوح للفراشات
كي لا تقتلها أصابعنا الخشبية،
ونحطم أثرها الكوني
على كفنا الاعمى.

امام الفراشات الراقصة
بين جنون النحل البري
ولذة العسل الاسود،
وترُ يقترب من الاشتعال.

في رثاء الفراشات
لحن ثقيل الصدى
خفيف الأسى
سلس كجرعة سمٍّ مائية اللون
مريرة الطعم
بلا رائحة.

في وداع الفراشات
صمت طويل
غمضة عين
انحناءة رأس
تحية للنسمات الباردة
نفس عميق
وحلم بالحرية
في دفء الضوء.

20110721-024009.jpg

ينعاد عليك، صارو تلاتين

اذا سقطت الى السماء اليوم
هل أعود إلى البداية؟
وهل سيسمع أحد ما
صوت اصطدامي بالهواء؟

اذا لم يرني أحد في هذه الحياة
هل أكون قد خلقت فعلاً؟
وهل سأموت كالصدى؟
أم أتبخر في اللا ذاكرة مثل الفقراء؟

ثلاثون فصلاً في المدينة / القطة
تفصلها روح واحدة قبل الفناء،
ويفصلني حلم جديد قبل القدر
هل أبصره؟
نظيفاً، أبيضَ
لا تشوبه الكوابيس الاليفة؟
أبي؟
أبي كان وهماً أعرجَ
أو رجل يعرج؟
لا أذكره جيداً…
منذ ثلاثين عاماً،
نظر الي مبتسماً،
مستغرباً ربما؟
ثم استقال،
ولم يغادرنا كضيف ثقيل

اليوم، يأتي مودعاً
بعد موته بسنوات
لا مبالياً بالوقت كعادته…
يقول لي: ينعاد عليك، صارو تلاتين

يبتسم مجدداً،
ثم يغادرني منتصباً
كإعصار نحو السماء.
هل نسامح أنفسنا بعد الهزيمة؟
أم نتناسى فقط كي لا نفقد القدرة على لملمة الدمار؟

في هذا الميلاد الجداري
في هذا المساء الاعور
تحت قمر من غبار،
أختبئ على مقعد مزخرف
بين أناس لا يكترثون لمن أنا
أشاهدهم يمرون بي كالثواني،
أنظر إلى الاعلى،
أعلى قليلاً من رؤوسهم
أدنى قليلاً من الله.

سيقفز عنقي خلف الظلمة
سأبتسم لأحد ما
لن أستقيل، لن أغادر
إذا سامحته اليوم،
هل أبدأ الآن؟

20110714-114736.jpg

سايكلوثيميا – محاولة رقم٢

جبل النار في رأسك
ينتظر من دون جدوى
مطراً وعاصفة وموجاً ثائراً.

صمتك الصاخب، هدوؤك الحزين
عيناك الغارقتان في اللاشيء،
يدك المرتجفة كغصنٍ سكير
صراخكَ الذي يمزق الشفاه الغليظة،
غضبك الملتهب في وجه المرآة
وفي وجه المرأة الغائبة،
كل هذا سراب سوف يذوب
بعد الحبة الاولى
او الحبة الثانية
او الحبة الثالثة عشرة بعد الستين.

سيأتي الصباح بعد ليلة عادية
عادياً جداً…

لا صراع مع الأمكنة
لا حوار مع روحك المرئية،

لا أذن شاردة خلف مواء قطة
تتقمص غنج النساء

لا ابتسامة للكون بدهشة طفل
يقف:
رِجل على حافة الشرفة
ورِجل تدعس في صدر الهواء.

لا شيء… لا انت…
لا هو…
لا انفصام
بين البشري والشاعر
بين الميت والساحر
بين الساجد والكافر
وبين الحاجة للمسة تشعلك كغابة صيفية
ولمسة تروض روحك الممتعضة من الحياة.

لن تبكي، قال لي
ستتسلل (حبة واحدة) إلى قلبك
تمسد أطرافه المبلولة بالكوابيس
تكبُل نبضه المتسارع كقطار إلى الشفير
تمتص عرقه الأحمر من الخوف
توهمه بالنوم كي لا ينتفض
ثم،
تعصره كفاكهة فاسدة
وترميه قطعة لحم يابسة،
لمن اشتهى

20110630-020153.jpg

دعني أرحل


تحت غطاء من ملل
في فجوة ليلية جديدة،
أوضب بسمتها على مدخل ذاكرتي المنهكة،
وأغلفها بقلبي الجاف كعنقود عنب.

أصلي لها
بقصيدة،
أو بحلم يقظة لا يُكتب.

أصلي كذباً
كي لا تحزن مع الليل كل يوم
كي لا يطارح الأرق فراشنا المتهرئ
كي لا تبتسم
ساخرةً من كلام لم يقال.

ابتسمي! لا تبتسم!
أبتسم لها! لا تراني!

يا ليل لا ينتهي من التمدد داخلي
دعني ارحل
لأطارد النعاس
في مخاض الشفق الأحمر.

دعني أذهب
لأرتدي الهواء الرطب
سواراً حول أقلامي المفترسة.

دعني أغفو،
كجدول في صدر نهر يختنق بين الصخور.

دعني اصرخ،
أعلى من الأصوات التي تنهش فراشي
كعريشة يابسة.

دعني اخرج
من جسدي الموحل
إلى غرفة يغمرها الضوء والماء.

دعني اهرب
من بين انياب وحوش طفولية
تسكن خزانتي والقبو تحت سريري.

ودعها بعيدة،
في البعيد الآمن،
في الليل الدافئ خلف الشمس،
في الصمت الأليف
في شراييني الباردة،
في شراييني المنطفئة من دون أمل بالنار.

دعها تذهب
ودعني أنام قبل نهايتك المنتظرة.

يا ليل لا يشبع من أرقي وضجري
ليتك تترك لي قليلاً من هذا الوهم
على عتبة الصباح
كي لا أنسى انك عائدٌ
محمومُ للانتقام
بعد سحابة من نور.

درب الجلجلة

From my teen-years collection, 19 maybe? Don’t know how much I changed since, the mood is still the same, the style is similar I guess, it’s shocking to reread the words n the stories within!! the language’s a bit amateurish I feel now! But that’s poetry I guess, it grows deeper and deeper with time!!

على درب الجلجلة
أحمل في يدي دمعة،
وأبحث عن دمعتي الثانية.

-أين أنتِ
و كيف لا أسمع
إلا الأنين
على درب الجلجلة.

ماذا أصلبُ الآن؟
وكيف يا حبيبتي
تصلب الدموع؟

لا فرق
إذا نزف من راحتيه
أو من شوك
على رأسه الأسود.

لا فرق عندي
بعد الآن،
فأنتِ تجلسين
على رصيف
تحملين لي دمعتي الثانية.

أهذا جرح
يخرج من عنق الشجرة
أم بداية؟

ماذا تريدين؟

على درب الجلجلة،
سكب دمعه في يديه،
أحزانه متعبة.

حمل على ظهره
جرحاً لا ينزف
و ذهب… إلى هناك
من هنا،
من درب الجلجلة.

-أعطني يدكَ
لكن رجاءً لا تلمسني
فقد وقع خوفي مني
على طريق مجلجلة.

أعطني وجهكَ
لكن رجاءً لا تنظرني
فقد أخشى
أن أرى موتي.

دموعي؟ هل رأيتها؟
هل نسيت
أني كنت أبحث عنها؟

أعطني دموعك
لكن رجاءً لا تتركني
على درب الجلجلة.

مَن ذا الذي يشاهد
مِن على المقعد الأخرس
مسيرة الألف دمعة.

قل له تعال
ليشاركني البحث
عن جرحك
عن جرحي
عن أي شيء يحيينا.

وأعطيني نزيفي
نزيفك
لا فرق عندي،
فأنا على أول درب الجلجلة
وقد أريد أن أجلس
على ذاك الرصيف؟

أحمل على ظهري فراغي
أو قصيدة كتبتنا.

لا فرق عندي
فعلى درب الجلجلة،
لا نعود
لا نصل
وقد نتوه عن الدمعة.

-أحقاً نسيت دمعتي؟
في قلبكِ يوماً
أم كان هذا وهمي.

-إنه يموت
ألا تراه؟
أغمض عينيه …
وغنّى

ظل المستحيل

ظل المستحيل
أنا.

الرجل الزائل
الأزلي الأحزان،
الذي يبحث عن ظله من دون ملل.

يحاول أن يتصل
بذاك الطيف الذي يراوده في الشوارع
يسبح أمامه
يقوده إلى عالم من مستحيل.

لا يمكن أن يلمسه،
يحاول
كطفل أمام مرآة.

مستحيلٌ يقوده عكس النور
إلى ظلمة تخفي وجهينا معا.ً

يختبئ أحياناً خلفي
عن يساري
على أطراف الحيطان،
يكدس الغبار،
يبعثر خطوط جسدي
ويهرب مسرعاً
كلما حاولت أن انحني
لأنفض عنه ظلاً آخر.

أركض
كأنني الغيوم المغادرة،
أتخذ شكل الهواء
وظلي يتخبط في أرجائي
غريباً.

أرى كأن الرصيف يرتديه
كمن يغير الثياب
أقف من دون حراك
أبحث عنه
قبل أن أغفو في هذا الليل.

ظل المستحيل
أنا

أرنو دائماً
إلى لمس شكل الخيال
فأرى نفسي أطوي هذا الكون
لنلتصق في نقطة أخرى
في جزء أعلى من الأقدام.

فجأة،
يجتاحني شعور بالرهبة.

سنصبح واحداً،
فأنا ظل ظلي
أنا ظل أيضاً.

بجانب العتمة
أستلقي على الطرقات.
ماشياً أحلم بالضوء
لكي أرشد ذاتي
أين دفن طفلي.

أمر بجانب بيت مهجور
يخترقه نور
من ثغرات متفرقة
في جسد حجري قديم.

أتأمله باهتمام
بحشرية
كأنني أرى وجهي للمرة الأولى.

نختزن الفراغ ذاته
تختلف أحلامنا بدون شك.
أنا،
أريد أن أصبح مهجوراً.
يخترقني نور
وهو،
يريد ما يريد
من غطاء للثغرات.

بيروت، ٢٠٠٨

20110525-115327.jpg

%d bloggers like this: